عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

62

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

آياته بالحروف المتقاربة المخارج حتى لا تشبه أسجاع الكهان ولا توافق قوافي الشعر ، قضيت منها العجب ، بل أو اضطرب فكرك حول الحروف المفصلة في أوائل السور لرأيتها ، كيف ترمز بإيجازها وإعجازها إلى بحار المعاني والحقائق وأفنان الحكم والدقائق ، فأي كتاب احتوى على هذه اللطائف واختص بمجامع هذه المعارف وانتظم في سلكه الدرر واليواقيت انتظام العقد المفصل ، كما قال بعضهم : من اللؤلؤ النض المؤلف نظمه * فما خانه سلك ولا شانه ثقب أما إن التوراة مقسومة خمسة أسفار ، كل سفر منها مفرد بمعنى ، السفر الأول لذكر بدء الخلق ، والسفر الثاني : لخروج بني إسرائيل من مصر ، والسفر الثالث : لأمر القرابين ، والسفر الرابع : لإحصاء موسى بني إسرائيل ، والسفر الخامس : لتكرر النواميس وكان اختلاف معانيها موجبا لتفاصيلها ، والنواميس عندهم الملائكة ، والناموس الأكبر جبريل - عليه السلام - قد سموا بذلك لخفائهم عن الأبصار ، والنمس : دابة تخفي نفسها عن الرائين ، فكان أفضل ما في التوراة العشر آيات ، وأفضل ما في الإنجيل الصحف الأربعة المنسوبة إلى تلاميذ المسيح ، وهي المخصوصة بالقراءة في صلواتهم وأعيادهم ، والزبور : أدعية وتحاميد وتسابيح ، وأفضله ما اتفق أهل الكتابين على اختياره . وهذه الكتب كلها أوجبت معانيها إلى أصحابها ، فعبر كل نبي عنها بعبارة فلم تكن أساليب نظمها بمعجزة لهم بخلاف القرآن ، فإن جبريل - عليه السلام - أنزله على المصطفى - صلى اللّه عليه وسلم - بلفظه ونظمه ومعناه معا ، فكان له معجزة من هذه الوجوه وهي مما يتعلق بظاهر نظم القرآن ، وعباراته التي تطلع عليها الفصحاء والبلغاء دون ما يتعلق بباطنه من الإشارات واللطائف والأسرار والحقائق والأنوار التي لا يطلع عليها إلا القلوب المحررة عن رق الكونين ، والأرواح المنورة بنور ربها ، فإن للقرآن ظاهرا وباطنا ، فهي المعجزة الحقيقة المودعة فيه بالحكمة البالغة الأزلية ، ليمسك طلاب الحق بها في الارتقاء من حضيض البشرية إلى ذروة الربوبية ليعتصموا باللّه ، وقد ضاق نطاق الروحانين عن إدراكها فضلا عن إيداعها في كلامهم المحدث ، ما أودع اللّه تعالى في كلامه القديم ، وهو كتاب ينابيع الحكم فوارة في درجه ، وشموس الغيوب طالعة من برجه ، فمن جملتها قوله : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ( 88 ) [ الإسراء 88 ] . وكان كما أخبر عن الغيب ، والحمد للّه حمدا كثيرا .